القانون المتعلّق بانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم… أحلام الشباب بين وعود المشرّع وإكراهات الواقع
صورة من مظاهرات خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم أمام مقر مجلس النواب بتاريخ 16 ديسمبر 2025
بعد أخذ ورد وسجال كبير، صدر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية القانون عدد 18 لسنة 2025 المؤرّخ في 22 ديسمبر 2025 والمتعلّق بأحكام استثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم بالقطاع العام والوظيفة العمومية.
وهو قانون ولئن طال انتظاره من قبل آلاف المعنيين به من خريجي التعليم العالي الّذين طالت بطالتهم ومعاناتهم وعجزت سوق الشغل عن استيعابهم والحكومات المتعاقبة عن توفير فرص عمل لائقة تمكّنهم من تحقيق الحد الأدنى من أحلامهم وطموحاتهم بعد سنوات طويلة من الدراسة وسنوات عديدة من وجع الترقّب ومن الإقصاء الاقتصادي والاجتماعي، فقد تمّت صياغته على عجل وبطريقة تعكس إلى حد كبير رغبة السلطة السياسية في غلق هذا الملف المحرج سياسيا والثقيل اجتماعيا بأقل التكاليف الممكنة مقابل وعد هلامي لا معنى له وُضِعَ صلب نص قانوني لا تتوفر فيه المقوّمات الدنيا ليكون قابلاً للتطبيق.
هذا القانون الّذي حُمّلَ أكثر ممّا يَحتَمل ويُرجى منه أن يعالج مسألة معقّدة جدًا بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والمالية المتشابكة والمتضافرة حينا والمتعارضة أحيانا وأن يتضمّن أحكامًا دقيقة تنظّم شروط وإجراءات هذا الانتداب الاستثنائي وصيغه، صدر في نهاية المطاف في ثمانية فصول مقتضبة هي أقرب في صياغتها ومضمونها إلى إعلان للنوايا أو سرد للأمنيات ولا علاقة لها بآليات وتقنيات صياغة النصوص القانونية المعمول بها والمتعارف عليها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.
ويبدو أنّ هذا القانون سيبقى حبرًا على ورق وسيلقى نفس مصير القانون عدد 38 لسنة 2020 المؤرخ في 13 أوت 2020 والمتعلق بأحكام استثنائية للانتداب في القطاع العمومي الّذي سبق لرئيس الجمهورية أن صرّح في عديد المناسبات بأنّه وعد سياسي كاذب ورفض تطبيق أحكامه وإصدار نصوصه التطبيقية رغم أنّ هذا القانون فوّض صلاحية ضبط صيغ وشروط تطبيقه بصورة عامة ومطلقة للسلطة الترتيبية العامة الّتي يمارسها الرئيس منذ شهر سبتمبر من سنة 2021.
ولعل السؤال الّذي يطرح نفسه هو ما الّذي جعل رئيس الجمهورية بعد أن رفض تطبيق القانون عدد 38 لسنة 2020 الّذي ختمه بنفسه منذ خمس سنوات، يسارع لختم القانون عدد 18 لسنة 2025 ويمتنع عن ممارسة حق الردّ الّذي خوّله له الدستور والحال أنّ القانون الجديد يسعى لتحقيق نفس أهداف وغايات القانون عدد 38 لسنة 2020 المؤرّخ في 13 أوت 2020 الّذي قال بخصوصه قيس سعيّد أنّ « التونسيين لا يجب أن يصدقوا من يوهمهم بتشريعات لا يمكن تطبيقها »، ناهيك وأنّ القانون الجديد اقترحه وصادق عليه أعضاء مجلس النواب دون الحد الأدنى من التنسيق مع الرئيس وحكومته؟
الثابت أنّ رئيس الجمهورية لا يرغب لاعتبارات سياسية محضة في خوض معركة خاسرة مع مجلس النواب وخاصة مع خريجي التعليم العالي وعائلاتهم في هذا الظرف السياسي والاقتصادي والاجتماعي الصعب والدقيق الذي تعيشه بلادنا ويدرك في نفس الوقت هو وحكومته أنّ هذا القانون لا يساوي شيئًا ولا يلزمهما بالقيام بأي شيء لا يرغبان في القيام به. وذلك رغم حرص النواب على عدم منح أي تفويض للسلطة الترتيبية فيما يتعلّق بتطبيق هذا القانون وتنصيصهم صلب الفصل السابع منه على أن يتم الانتداب على دفعات لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ صدوره ظنًّا منهم أنّ هذه المناورات على مستوى الصياغة يمكن أنّ تجبر الرئيس وحكومته على تطبيق نص لا يرغبون في تطبيقه وخاصة غير قادرين بتاتًا على تطبيقه لا اليوم ولا في المستقبل المنظور.
عدم الرغبة في تطبيق هذا القانون تجد أساسها وسببها في أنّ هذا القانون يفرض على الدولة انتداب أعداد هامة من خريجي التعليم العالي ممّن طالت بطالتهم (تشير تقديرات أولية إلى أنّ عددهم يفوق المائة وخمسين ألفًا) بالقطاع العام والوظيفة العمومية في غضون ثلاث سنوات وهي معادلة ستجعل الانتدابات العمومية منحصرة كليًا خلال السنوات الثلاث المقبلة في هذه الفئة على مستوى الكفاءة والاختصاصات المتوفّرة وهي مسألة تُسيل الكثير من الحبر ومحل العديد من التحفّظات من قبل الحكومة. هذا علاوةً عمّا يمثّله هذا القانون بما تضمّنه من أحكام عامة ومطلقة من مساس بالمبادئ العامة الّتي تحكم الانتداب في الوظيفة العمومية وخاصة منها تكافؤ الفرص والمساواة والكفاءة.
أما عدم القدرة على تطبيق هذا القانون وهي الأهم، فيرجع بالأساس إلى عدم قدرة الدولة لا ماليًا ولا عمليًا على انتداب كل الأشخاص الّذين تتوفر فيهم الشروط الّتي نص عليها القانون أساسًا في الفصلين الثاني والثالث منه وهو ما عبّرت عنه صراحة ودون مواربة وزيرة المالية عند مناقشة برنامج اﻻنتداب المباشر ﻷصحاب الشهادات العليا ممن طالت بطالتهم صلب مشروع قانون المالية لسنة 2026. فضلاً عن أنّ هذا القانون تضمّن تناقضات عديدة أهمها أنّه وضع شروطًا للترشّح والانتداب توحي بأن هذه الآلية الاستثنائية للانتداب هي آلية دائمة ومستمرة في الزمن يتمتّع بها كل من يتوفر فيه حاليًا وسيتوفّر فيه مستقبلاً شرط التخرّج منذ أكثر من عشر سنوات بالإضافة للشروط الأخرى دون أي تحديد أو تقييد في الزمن، في حين أنّ الفصل السادس منه ينص على أن يتم الانتداب على دفعات لمدة لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ صدور هذا القانون وهو ما يؤكّد أنّ الأمر يتعلّق بآلية ظرفية ينتهي العمل بها بمجرد ضبط وانتداب الأشخاص الّذين تتوفّر فيهم الشروط عند الشروع في تطبيق مقتضيات هذا القانون.
خلاصة القول ومختصره أنّه لا طائل من تعداد نقائص وصعوبات تطبيق هذا القانون الّذي تعلم السلطة الّتي أصدرته علم اليقين أنّه غير قابل للتطبيق وأنّ إصدارها له هو محاولة أخرى لربح الوقت لا غير ولشراء السلم الاجتماعي بعد أن عجزت عن توفير أهم مقوّماته الفعلية الّتي تتمثّل في تحقيق تنمية اقتصادية حقيقية وعادلة تمكّن القطاعين العام والخاص من خلق الثروة ومن توفير مواطن وفرص شغل حقيقية بعيدًا عن الشعوذة التشريعية والوعود الشعبوية.
Leave A Comment